تركيا المستفيد الأكبر من أحداث الباب... وديمغرافية عفرين تتغير بصمت ملف -1-

احتلال، اشتباكات، انتهاكات، سياسيات خبيثة، جميعها مفردات هي لسان حال الأهالي في مناطق الشهباء المحتلة وخاصة في مدينة الباب وقراها التابعة له، فالاشتباكات الفصائلية مستمرة في ظل صمت تركي يُترجم على الأرض بوجود بعض الأعمال الأخرى والأهم ألا وهي تغيير ديمغرافية عفرين. روج موسى/ مركز الأخبار بعد احتلال مدينة الباب في الرابع والعشرين من شباط العام الماضي عقب عقد اتفاقيات دولية وإقليمية بين عدة أطراف على رأسها روسيا وتركيا، واللتان اتفقتا على تبديل أغلبية منطقة ريف حلب الشمالي بمدينة حلب، حيث سمحت روسيا حكومةً وجيشاً للجيش التركي باحتلال أجزاء واسعة من ريف حلب الشمالي والشرقي أي بمعنى آخر شرعنت دخول التركي إلى سوريا. فمخطط احتلال الأراضي السورية من قبل جيش الاحتلال التركي كان قد بدأ رسمياً حين توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مدينة سان بطرسبرغ للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - والتي تعتبر الزيارة الرسمية الأولى له للأراضي الروسية بعد إسقاط طائرة السوخوي الروسية في الرابع وعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2015 - للاتفاق على بيع حلب للروس مقابل سيطرة الأتراك على أجزاء من ريف حلب الشمالي المتمثلة بالحدود السورية التركية شمالاً وصولاً لمدينة الباب جنوباً ومن إعزاز غرباً إلى حدود ريف منبج الغربي شرقاً. مناطق خفض التصعيد اجتمعت بالباصات الخضراء فالاتفاقيات الروسية التركية كانت ذات انعكاس واضح على الأرض وباتت تتطور شيئاً فشيئاً، فالعلاقات بين تركيا العضو بحلف الأطلسي "الناتو" مع الحلف المضاد له – روسيا - قد يدل على مؤشرات خطيرة، فالرغبة الكبيرة لتركيا بدخول الاتحاد الأوروبي وسياستها الداخلية المتأزمة وخاصة بعد انقلاب 15 تموز/يوليو 2016 باتت ذات تخبط واضح في المنطقة، وتطورت الاتفاقيات إلى مستوى جديد من المصالح التكتيكية بتوقيعهم مع الإيرانيين على اتفاقية آستانا المتضمنة اتفاق خفض التصعيد والذي يقضي بتحديد أربع مناطق آمنة في سوريا لمدة ستة أشهر تقبل للتمديد وهي إدلب والغوطة الشرقية وأجزاء من ريف حمص الشمالي وفي الجنوب السوري اختيرت محافظتي درعا والقنيطرة. وتعرضت أغلبية المناطق الأربعة التي كانت مناطق خفض تصعيد لعمليات عسكرية عنيفة من قبل الجيش السوري وحلفائه الأمر الذي كان سبباً ثانوياً في نقل المرتزقة وعوائلهم والمدنيين إلى مناطق في شمال سوريا مثل جرابلس والباب وعفرين، بينما كان السبب الرئيسي هو بيع تركيا تلك المناطق لروسيا مقابل سماح الأخيرة لتركيا باحتلال عفرين وضرب المشروع الديمقراطي في المنطقة في حين كانت تلك مناطق قد اتفق عليها مسبقاً بأنها ستبقى مناطق لخفض التصعيد وبدون اشتباك !. اتفاقيات تركيا وروسيا سبب بلاء الشعب السوري فعمليات النقل المستمرة بالباصات الخضراء خلال العام الماضي وتشرد مئات الآلاف من المدنيين السوريين ليس إلا مجرد نتيجة الألاعيب التركية الروسية في المنطقة وذلك لتعزيز مصالحهم في الأراضي السورية، وآخر هذه الألاعيب ستقام في ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي، حيث ستتجه تلك القوافل في حقيقتها إلى مدينة عفرين وقراها ولن تتوجه إلى جرابلس أو إدلب، وذلك حسبما ذكرته بعض المصادر المحلية من أهالي الريف الشمالي لحمص. الانعكاسات السلبية للاتفاقات الروسية التركية التكتيكية لها العديد من الأبعاد، فأحد الأبعاد التي توضحت خلال الأسبوع الماضي هي أحداث الباب، والانتفاضة الشعبية تجاه الاحتلال التركي ومرتزقته ورفضهم لتصرفاتهم التعسفية تجاه الأهالي عامةً. تسليم استلام وجرابلس خير دليل فالمدينة الواقعة بموقع استراتيجي في الشمال السوري والقريبة جغرافياً على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري أي تمر طرق تجارة عديدة منها، كانت قد تعرضت عبر العام الماضي لعمليات تغيير ديمغرافية عديدة عبر إسكان المرتزقة وعوائلهم القادمين من مناطق مختلفة فيها، الأمر الذي أدى لظهور فصائل عديدة والتي تلقت دعم عسكري ولوجستي مباشر من قبل الجيش التركي الذي يحتل المنطقة بشكل كامل، مثل فصائل أحرار الشرقية وثوار الغاب وغيرها من الفصائل الأخرى. فمع بدء عملية درع الفرات لاحتلال الأراضي السورية في الرابع وعشرين من آب/أغسطس 2016، والتي تمت بموافقة روسية، وتوجهت العشرات من الفصائل التي سلمت أجزاء من أحياء حلب الشرقية لروسيا والنظام السوري والحرس الثوري الإيراني، وتمركزت في بعض النقاط مع جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) في إدلب وأريافها بمساندة الجيش التركي لدخول مدينة جرابلس 125 كم شمال شرق حلب بدون أي معارك تذكر ضد مرتزقة داعش. أحرار الشرقية من سرقة نفظ الدير لسرقة خيرات عفرين والشهباء تجمع أحرار الشرقية، وهو أحد الفصائل الواسعة العاملة بين مرتزقة الاحتلال التركي في ريف حلب الشمالي وعفرين وإدلب، أغلب مقاتليه من أبناء العشائر العربية في دير الزور وجنوبي الرقة والطبقة مثل الشعيطات والعشارة، فيما كانت تعرف في 2014 باسم جيش الشرقية ودروع الشرقية الذين عرفوا بقربهم على خط الإخوان المسلمين السلفي أثناء تحالفها الكامل مع جبهة النصرة، حين كانوا يقومون بتجارة النفط آنذاك بدير الزور، ويعرفون شعبياً باسم "أصحاب المنظر المقلوب". بعد هزيمة النصرة وانسحابها من شرق سوريا لغرب وشمالها، تفرقت قوات العشائر وباتت ضعيفة هشة، فباتت تربط نفسها بجميع القوى الأخرى في سبيل الحصول على مردود مادي ومحاربة مرتزقة داعش التي ارتكبت مجزرة بحق عشيرة الشعيطات وقتلت 700 شاب في آب 2015، فكان أبناء عشيرة الشعيطات ضمن غرفة عملية درع الفرات التركي وحلفاء للنظام السوري في دير الزور ومساعدين للجيش الأمريكي في التنف شرق سوريا وضمن قوات سوريا الديمقراطية شمال سوريا في نفس الحين!. ويتألف الفصيل من تجمع عدل، جيش الشرقية وفرسان الشرقية وكتائب مثل درع الفهود والعباس والفهود والحسكة والخطاب والقادسية. خطف النازحين المدنيين بتهمة "الدعشنة" لطلب الفدية دخل الفصيل بعد بدء عملياته ونشاطه في مناطق سيطرة الاحتلال التركي بريف حلب الشمالي مرحلة جديدة، فعمليات التهجير والنزوح المستمرة زادت عدد مقاتليه ليصل ل4000 مقاتل تقريباَ منتشرين في جغرافية واسعة من جرابلس شرقاً لإدلب غرباً، وبات معروفاً بالسرقة وأعمال النهب وخطف المدنيين للابتزاز وطلب الفدية وخاصة نازحي الرقة ودير الزور الذين كانوا يتهمونهم بأنهم تابعين لداعش في حال عدم تلبيتهم لطلبات الفصيل. وفي الثامن عشر من أيلول/سبتمبر 2016 أثناء عملية درع الفرات أعلن الفصيل عن تعليق عملياته العسكرية رفضاً منه على مشاركة قوات أمريكية في العملية، الأمر الذي حاول التجمع عبره إظهار نفسه بأنه يرفض أي أطراف خارجية في سوريا وعلى رأسها الجيش الأمريكي متناسياً تماماً بأنه يدخل الأراضي السورية على متن الدبابات التركية، إلا أن الجيش التركي أجبره على التراجع عن قراره بعد ساعات بعيد تهديده بالتصفية. اشتباكات دائمة وكره أمريكي أعمى ويكمن حقد شديد للتجمع تجاه الجيش الأمريكي بشكل عام، كونه يعتبر الجيش الأمريكي أحد الأسباب بوقوع مجزرة الشعيطات لأنه لم يقصف نقاط تمركز داعش حينها، بالإضافة لقيام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بقصف نقاط تمركز هيئة تحرير الشام المصنفة على لائحة الإرهاب الدولية كل فترةً وأخرى، ويعتبر هذ الحقد للأمريكان أحد أسباب خلافهم مع فرقة الحمزة المدربة أمريكياً. حيث تذكر حوادث أخرى لأحرار الشرقية في الاشتباكات الفصائلية وإرهاب المدنيين والسكان مثل اشتباكاته مع السلطان مراد (الفصيل المدلل تركياً) على المسروقات بالإضافة لاشتباكه مع بعض الفصائل في بلدة سرمدا على تجارة بعض السيارات وآخرها كان مع فرقة الحمزة في مدينة عفرين عقب خلافاتهم الشديدة على تركس ملكيته لأحد أهالي عفرين في الخامس وعشرين من آذار المنصرم واعتقال 200 عنصر للفرقة في عفرين والباب، بالإضافة لتسجيل حالات امتعاض شعبي كبيرة تجاههم الأمر الذي أدى لقيام تظاهرات تجاههم. ويعتبر الفصيل الذي بات يسمى بالعنصري عقب قيامه بكتابتها على مدخل مدينة عفرين الجنوبي المؤدي لجندريسه على أحد الجدران "دير الزور ترحب بكم" معتبرين عفرين بلادهم الجديدة وبأنهم سيتوطنون بها. خلافات تركمانية عربية وفصائل أوزبكية في الشهباء ففرقة الحمزة كانت أحد الفصائل التركمانية المدربة أمريكياً وتشكلت في الثالث وعشرين من نيسان/أبريل 2016 أي قبل بدء عملية درع الفرات بأربعة شهور، يتألف من بعض الأولوية والفصائل، وضمت تركيا في حزيران/يونيو 2016 بعد شهرين من انتهاء تدريبها على يد الأمريكان لواء سمرقند إلى صفوفه والذي يضم مقاتلين أوزبكيين وهو شبيه في تنظيمه الحزب الاسلامي التركستاني المصنف على لائحة الإرهاب الدولية، ولدى الفرقة التي تسمى نفسها بالقوات الخاصة علاقات تحالف جيدة مع السلطان مراد وكان قد زوده التحالف الدولي عقب إنهاء تدريبه بصواريخ مضاد دروع حديثة والعديد من عربات الهامفي المصفحة التي استخدمتها هي الأخرى في حربها على عفرين وهجماتها المتقطعة على حدود الريف الغربي لمنبج. هذا وتحاول تركيا استثمار الأحداث الأخيرة التي تطورت في مدينة الباب بين عائلة آل واكي الموالية لأحرار الشام وأحرار الشرقية، وذلك بمحاولة خلق حالة طائفية بين أهالي المنطقة بين العرب والتركمان وذلك لفصل بين الفصائل التركمانية عن باقي الفصائل وتقديم دعمها بشكل مختلف. تصفية بعض الفصائل وإضعاف الآخر عمليات التصفية لن تستهدف أحرار الشرقية فقط في حال حدوثها بالزمان القريب، فعمليات التصفية ستستهدف جميع الفصائل بدون تمييز وذلك عبر دفعها للاشتباك فيما بينها، وستؤدي هذه الاشتباكات إلى تصفية بعض الفصائل نهائياً وإضعاف الطرف المنتصر كون القوات هي متساوية بشكل تقريبي من ناحية الأسلحة الثقيلة، فسيكون السيطرة الكاملة مئة بالمئة لتركيا وجيشها. حيث اشتباكات ليلة الأحد الماضي بين السلطان مراد وصقور الجبل وغيرها من الفصائل تدل على أن المخططات التركية بالتصفية قد بدأت لتحكم سيطرتها على الجميع بدون استثناء وقد يكون هذه المخطط التركي بأوامر روسية لتسهيل أمور وضع نقاط المراقبة في ريف حلب الشمالي في ظل نقاشات دائرة عن إمكانية دخول الجيش الروسي لوضع نقاط مراقبة في عفرين. وفي الجزء الثاني من ملفنا نتحدث عن المخططات التركية السرية في المنطقة وكيف تقوم تركيا بتسيير سياستها في المنطقة بشكل خبيث بين الأهالي وفوائد هذه الاشتباكات الفصائلية الكبيرة على تركيا بجيشها وحكومتها. (د ج) ANHA