عفرين بوصلة صراع شمال سوريا



ان تحول إقليم عفرين في شمال غربي سوريا لمنطقة تراهن عليها القوى الإقليمية والدولية الفاعلة ضمن المشهد السوري، ما هي إلا مؤشر على أنها -عفرين -منطقة لها مكانة هامة واستراتيجية تؤثر بشكل لا يستهان به على مسار الفاعلية التي تدار الآن في العمق السوري وخاصة مع اقتراب نهاية داعش.

هذه المكانة الهامة تُقرأ حالياً من خلال التهديدات التركية، والضغوطات الروسية غير المباشرة، ومحاولات النظام لإعادة تعويم نفسه، في وجه واقع ما تم احقاقه في إقليم عفرين إدارياً وعسكرياً التي هي ركيزة أساسية لفدرالية شمال سوريا، كونها غير مرتبطة بالسياسات التي تحيكها هذه الأطراف.

فتلويح تركيا باجتياح عفرين يأتي في سياق توجيه ضربة للمشروع الكردي في الشمال السوري تحقيقاً لمخططها القديم الجديد للقضاء على الكرد هذه المرة، من خلال احتلالها العسكري لإدلب، لتلتقي وتتقاطع مع الضغوطات الروسية النابعة من تفاهماتها مع الضامنين ضمن مسار اتفاق استانة، وليس بعيداً عنها محاولات النظام لاحتواء المشروع الذي ينادي به الكرد في غربي الفرات، ما يضعنا أمام تصور أن الشمال الغربي لسوريا يشكل صلب الصراع بحيث ستكون نتائجه المحدد لصياغة شكل تسوية الأزمة السورية.

 وبالرغم الاتفاق ضمن مسار استانة إلا أن المنطقة الشمالية الغربية مليئة بالتضاربات السياسية ومكتظة بالقوى العسكرية المختلفة، تتنافس فيها قوى محلية ودولية وإقليمية بحيث يكتنف هذا التنافس حسابات متداخلة، حيث لكل قوى (إيران وتركيا وروسيا) أهداف وغايات مختلفة ومتناقضة.

وفي خضم الوقائع الجارية يمكننا قراءة الآلية التي تتعامل بها روسيا مع القوى المتواجدة في إقليم عفرين ومحيطه، فهي تريد الضغط على الكرد بالوعيد التركي لكسبهم بما يخدم الفاعلية السياسية التي تعمل على ترسيخها بما يعزز مكانتها في العمق السوري، وفي الجهة المقابلة تريد روسيا الاستفادة من تواجد  الكرد كقوة لها ثقلها السياسي والعسكري والتي اثبتت وجودها للضغط على تركيا لتصفية الفصائل المسلحة أو تدجينها في أسوء الأحوال، أما رغبتها في إيجاد توافقات ونقاط لتقريب الأطراف المحلية، جعلتها تدفع بالنظام السوري للتلويح بأنه يريد التحاور مع الكرد بشأن حصولهم على منطقة حكم ذاتي، لاستكمال الفاعلية التي تريد إدخال الكرد فيها.

وفي ضوء المعطيات الراهنة المحاطة بعفرين يمكننا التطرق للاحتمالات التالية:

إن احتمالية شن تركيا هجوماً على إقليم عفرين الذي لم يتخطى إطار التصعيد والوعيد الإعلامي حتى اللحظة، مرتبطة بسياسة القوى الدولية المعنية بالأزمة السورية في المنطقة، وبالتالي في حال خاضت تركيا عملية عسكرية فهي لن تفعل ذلك إلا بموافقة دولية، وكما أن الرادع الأساسي الذي يحول دون شن تركيا لهجماتها هو أنها ستكون أمام حرب مفتوحة مع القوات الكردية في الداخل التركي وعلى امتداد حدودها مع شمال سوريا، وأيضاً لكون عفرين تمتلك جغرافية دفاعية وقوات متمرسة لها رصيد مسبق في مواجهة مثل هذه التهديدات.


أن تتجه روسيا إلى قوات سوريا الديمقراطية في حال عرقلت تركيا الهيكلية المتفق عليها ضمن مسار استانة بصدد إدلب، والتحركات الأخيرة لتركيا في إدلب بصدد إنشائها قواعد عسكرية تشير إلى ذلك، وهذا من شأنه إثارة الشكوك والقلق لدى الجانب الروسي، ومن ناحية أخرى روسيا تعي بأبعاد العملية العسكرية التركية ضد عفرين لأن الهدف التركي يتعداها –عفرين- إلى الريف الشمالي لحلب بل ومدينة حلب نفسها، وذلك بسبب أهمية تلك المنطقة التي تكمن في صلب حسابات الأمن القومي التركي، وهذا لا يحظى بأي تأييد لدى روسيا وخاصة أنها ركزت على الريف الشمالي لحلب أثناء إخراج المسلحين منها.
تبقى إمكانية ربط الأقاليم ببعضها قائمة كهدف استراتيجي معلن لقوات سوريا الديمقراطية وسقفها السياسي مسد، بعد أن تم الانتهاء من تنظيم الدولة في معاقلها الرئيسية في الرقة ودير الزور، وخاصة إن ارتكبت تركيا حماقات باستهداف عفرين نتيجة لعدم تحملها للتفاهمات الدولية الحاصلة بين روسيا وأمريكا، وإدراكاً منها بأن الأمور باتت تخرج عن سيطرتها.
إن النظام السوري وفي إطار سعيه مع إيران وروسيا لتحقيق هدفها في السيطرة على الجغرافية السورية وإعادة السيادة المركزية، يريد تقويض فيدرالية شمال سوريا وذلك بإطلاقه لتصريحات حول منح الحكم الذاتي للكرد، وهذه المحاولات باءت بالفشل نتيجة رفض الكرد لها بهذه الصياغة، ما يعزز من احتمالية ممارسة الضغط السياسي عن طريق روسيا والعسكري عبر الميليشيات الإيرانية على إقليم عفرين، كون الأخيرة معزولة جغرافياً عن الأقاليم الأخرى.
وتجدر هنا الإشارة إلى قوة الآلية السياسية والعسكرية لفدرالية شمال سوريا في التأثير على الحسابات وموازين القوى وكيفية التعامل مع مألات الظروف المرحلية، فهي تمتلك قوة عسكرية أثبتت جدارتها في التصدي للهجمات تركية الاحتلالية ومحاربة أعتى قوة إرهابية، كما أنها صاحبة باع طويل في إدراك وتغيير سياساتها للتعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية، وهي قوة تتوقف عندها الأطراف الدولية عند رسم خططها في المنطقة.

خلاصة القول يمكننا أن نستنتج بان المنطقة الغربية لنهر الفرات أصبحت محل تقاسم وخريطة نفوذ بين القوى الإقليمية والدولية وبموافقة ضمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إن مصير إقليم عفرين ومألات وضعه ليس بالضرورة أن تحدده مؤتمرات كُثر انعقادها بلا جدوى، ولا تهديدات فُرغت من فحواها، ولا تفاهمات مرحلية لأن عفرين من أقاليم فدرالية الشمال السوري ولديها أوراق سياسية وعسكرية لها كلمة لا يمكن تجاوزها.


منذر محمد- نوروز رشو
مركز روج افا للدراسات الأستراتيجية